فخر الدين الرازي

423

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

الآية المتقدمة وَأَنْ عَسى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ [ الأعراف : 185 ] باعثاً بذلك عن المثابرة إلى التوبة والإصلاح قال بعده : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها ليتحقق في القلوب أن وقت الساعة مكتوم عن الخلق ، فيصير ذلك حاملًا للمكلفين على المسارعة إلى التوبة وأداء الواجبات ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في أن ذلك السائل من هو ؟ قال ابن عباس : إن قوماً من اليهود قالوا يا محمد أخبرنا متى تقوم الساعة فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن وقتادة : إن قريشاً قالوا : يا محمد بيننا وبينك قرابة ، فاذكر لنا متى الساعة ؟ المسألة الثانية : قال صاحب « الكشاف » : الساعة من الأسماء الغالبة كالنجم للثريا وسميت القيامة بالساعة لوقوعها بغتة ، أو لأن حساب الخلق يقضي فيها في ساعة واحدة فسمي بالساعة لهذا السبب أو لأنها على طولها كساعة واحدة عند الخلق . المسألة الثالثة : أيان معناه الاستفهام عن الوقت الذي يجيء ، وهو سؤال عن الزمان وحاصل الكلام أن أيان بمعنى متى ، وفي اشتقاقه قولان : المشهور أنه مأخوذ من الأين وأنكره ابن جني وقال : أَيَّانَ سؤال عن الزمان ، وأين سؤال عن المكان ، فكيف يكون أحدهما مأخوذاً من الآخر . والثاني : وهو الذي اختاره ابن جني أن اشتقاقه من أي فعلان منه ، لأن معناه أي وقت ولفظة أي ، فعل من أويت إليه ، لأن البعض آو إلى مكان الكل متسانداً إليه هكذا . قال ابن جني : وقرأ السلمي إيان بكسر الهمز . المسألة الرابعة : مرساها « المرسي » هاهنا مصدر بمعنى الإرساء لقوله تعالى : بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها [ هود : 41 ] أي إجراؤها وإرساؤها ، والإرساء الإثبات يقال رسى يرسوا ؛ إذا ثبت . قال تعالى : وَالْجِبالَ أَرْساها [ النازعات : 32 ] فكان الرسو ليس اسماً لمطلق الثبات ، بل هو اسم لثبات الشيء إذا كان ثقيلًا ومنه إرساء الجبل ، وإرساء السفينة ، ولما كان أثقل الأشياء على الخلق هو الساعة ، بدليل قوله : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا جرم سمى اللَّه تعالى وقوعها وثبوتها بالإرساء . ثم قال تعالى : قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي أي لا يعلم الوقت الذي فيه يحصل قيام القيامة إلا اللَّه سبحانه ونظيره قوله سبحانه : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ [ لقمان : 34 ] وقوله : أَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها [ الحج : 7 ] وقوله : إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها [ طه : 15 ] ولما سأل جبريل رسول اللَّه صَلَّى اللّه عليه وسلّم وقال : متى الساعة فقال عليه السلام : « ليس المسؤول عنها بأعلم من السائل » قال المحققون : والسبب في إخفاء الساعة عن العباد ؟ أنهم إذا لم يعلموا متى تكون ، كانوا على حذر منها ، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة ، / وأزجر عن المعصية ، ثم إنه تعالى أكد هذا المعنى فقال : لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها التجلية إظهار الشيء والتجلي ظهوره ، والمعنى : لا يظهرها في وقتها المعين إِلَّا هُوَ أي لا يقدر على إظهار وقتها المعين بالإعلام والإخبار إلا هو . ثم قال تعالى : ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ والمراد وصف الساعة بالثقل ونظيره قوله تعالى : وَيَذَرُونَ وَراءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلًا [ الإنسان : 27 ] وأيضاً وصف اللَّه تعالى زلزلة الساعة بالعظم فقال : إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [ الحج : 1 ] ووصف عذابها بالشدة فقال : وَما هُمْ بِسُكارى وَلكِنَّ عَذابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ الحج : 2 ] .